محمد بن جرير الطبري

195

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وجعل المسودة يحملون على المبيضة حتى يبلغوا بهم رحبه دار الفضل ، وتحمل المبيضة عليهم حتى يبلغ بهم الزوراء وفشت الجراحات بين الفريقين جميعا ، فاقتتلوا إلى الظهر ، ثم افترقوا ، فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الأحد ، جاء الخبر بان مباركا التركي ينزل بئر المطلب ، فنشط الناس ، فخرجوا اليه فكلموه ان يجيء ، فجاء من الغد حتى اتى الثنية ، واجتمع اليه شيعه بنى العباس ومن أراد القتال ، فاقتتلوا بالبلاط أشد قتال إلى انتصاف النهار ، ثم تفرقوا وجاء هؤلاء إلى المسجد ، ومضى الآخرون إلى مبارك التركي ، إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنية يقيل فيها ، وواعد الناس الرواح ، فلما غفلوا عنه ، جلس على رواحله فانطلق ، وراح الناس فلم يجدوه ، فناوشوهم شيئا من القتال إلى المغرب ، ثم تفرقوا ، وأقام حسين وأصحابه أياما يتجهزون . وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما ، ثم خرج يوم أربعة وعشرين لست بقين من ذي القعدة ، فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا ، وعاد الناس إلى المسجد ، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم ، فجعلوا يدعون الله عليهم ، ففعل الله بهم وفعل . قال محمد بن صالح : فحدثني نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجمحي ، ان حسينا لما انتهى إلى السوق متوجها إلى مكة التفت إلى أهل المدينة ، وقال : لا خلف الله عليكم بخير ! فقال الناس وأهل السوق : لا بل أنت ، لا خلف الله عليك بخير ، ولا ردك ! وكان أصحابه يحدثون في المسجد ، فملئوه قذرا وبولا ، فلما خرجوا غسل الناس المسجد . قال : وحدثني ابن عبد الله بن إبراهيم ، قال : أخذ أصحاب الحسين ستور المسجد ، فجعلوها خفاتين لهم ، قال : ونادى أصحاب الحسين بمكة : أيما عبد أتانا فهو حر ، فأتاه العبيد ، وأتاه عبد كان لأبي ، فكان معه ، فلما أراد الحسين ان يخرج أتاه أبى فكلمه ، وقال له : عمدت إلى مماليك لم تملكهم فأعتقتهم ، بم تستحل ذلك ! فقال حسين لأصحابه : اذهبوا به ، فأي عبد عرفه فادفعوه اليه ، فذهبوا معه ، فاخذ غلامه وغلامين لجيران لنا وانتهى خبر الحسين إلى الهادي ، وقد كان حج في تلك السنة رجال من أهل